محمود سالم محمد
413
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
لقد أجاد البوصيري في وصفه للنفس التي تطلب المزيد من الملذات إذا تركها المرء على هواها ، لكنه إن راض نفسه ، وكفّها عن شهواتها ، عادت إلى القناعة ، لا تأخذ من الملذات إلا ما حلّله اللّه ، ولكي يوصل البوصيري هذا المعنى إلى الناس ، شبه النفس بالطفل الذي يعتاد الرضاع ، فإذا لم يفطم استمر على هذه العادة ، وكل الناس يعرفون هذه الحقيقة ويعايشونها ، ولذلك يسهل عليهم إدراك الصورة ، وفهم المعنى الذي أراده البوصيري ، وتخيل حقيقة النفس الإنسانية ، فجاء التشبيه هنا ليغني عن الشرح والتفصيل ، وينجي من الإسهاب والتطويل الذي لا يليق بالشعر . لكن البوصيري عندما انتقل إلى مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووصفه وذكر معجزاته ، أخذ يرصف التشابيه رصفا ، قارنا بين المادي والمعنوي ، ليجسد المعاني التي يريدها بالمحسوسات التي يراها الناس ويعرفونها ، وهي تشابيه معروفة في شعرنا العربي ، حتى وإن عكس التشبيه للمبالغة ، حين عزا اللؤلؤ المكنون إلى منطق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وثغره ، بيد أنه أجاد حين مثّل لوصف آيات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : إن آيات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ظاهرة واضحة لا تحتاج إلى وصف وبيان ، ولكنه ينظمها في شعره لتزداد حسنا في أذن السامع ، وإن كان سماعها في غير النظم لا يقلّل من قدرها ، مثل الدر الذي يزداد حسنا حين ينظم في عقد ، لكن بقاءه منثورا لا يقلل من قيمته . وصور البوصيري ليست صورا بسيطة مبتذلة ، وليست في غاية التعقيد ، فهو يبذل جهدا في بنائها ، لتؤدي ما بنفسه من أفكار ومشاعر ، ولا يتكلف رسمها إلا نادرا حين يجعل أحد أركان صورته من مصطلحات العلوم ليجاري بذلك ذوق أهل عصره من المتأدبين والشعراء ، مثل وصفه للطلل بقوله : نسخت آياته أيدي البلى * فأرت عينيّ منه الصّاد شيئا « 1 »
--> ( 1 ) ديوان البوصيري : ص 257 .